اخبار بحر الصحراء: رأي.

 

بقلم : حسن العسري

طالب سوسيولوجي و رئيس جمعية الجنوب للبيئة والتنمية .

يعرف علم الإيكولوجيا على أنه علم يهتم بالبيئة من خلال علاقة المحيط بالكائنات الحية وتفاعلهم داخل هذا المحيط البيئي ، وما يهمنا هنا نحن ، ونحن بصدد تناول موضوع الإيكولوجيا هو علاقتها بالإنسان ، ما هي ؟! وكيف تتشكل داخل مجال إيكولوجي ؟!

تنقسم الإيكولوجيا في تعريفها إلى عدة أقسام لعل أهمها علم البيئة الإنسانية ، هذا العلم الذي ظهر في مطلع القرن العشرين ” 1920 ” ، حيث إهتم بفضاء الإنسان والنشاط المنظم منه محيطه ، وعلى إعتبار أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يحتل قارات العالم بشكل كامل ، كان لابدا لهذا العلم أن يكون مجالا للدراسة ، حيث أصبح كذالك في سبعينات القرن الماضي ، فالإنسان هو العامل الرئيسي في البيئة من خلال حركيته المتطورة و تخطيطه الحضري وتطويره لشتى أساليب عيشه ” صيد بحري ، زراعة ، أنشطة صناعية … ” .تطورت هذه الدراسة لمجال بيئة الإنسان حتى أصبح لها أصحاب إختصاص ” أنثروبولوجيين ، مهندسين ، علماء أحياء ، علماء ديمغرافيا … ” ، فأدى هذا التطور إلى تخصيص جزء مهم للبيئة في التخطيط الإقليمي لأي مجال معين ” دولة ، جهة ، إقليم … ” .

بالإضافة إلى هذا تولدت لدى المجتمعات الإنسانية فلسفة بيئية ، وأصبحت أيضا محل إهتمام الكثير من الفلاسفة والمفكرين المختصين بالنظرية التنظيمية ” انان ، فريمان … ” ، ليطبعوا بذالك بصمة خاصة بهم في هذا العلم ، وهم الذين إستنتجوا أن البيئة هي التي تختار سكانا ما أو ترفضهم ، فبينوا بهذه النظرية المهمة طرق تنوع السكان وتنوع طبيعتهم مع الوقت .

في بداية سبعينات القرن الماضي أيضا ، أصبحت الإيكولوجيا جزءا مهما من السياسات العالمية ، من خلال برنامج عمل بدأت به منظمة اليونسكو سمي ب ” الرجل والمحيط الحيوي ” ، وهو برنامج بحثي يهدف إلى توسيع المعرفة عن علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي .

وحتى يتماشى ما سبق ذكره ومحيطنا ” جهة الداخلة وادي الذهب ” ، فإنه يجب إسقاط هذه العلاقة بين الإنسان و المحيط ، على الإنسان الصحراوي ومحيطه ، ولا شك أن هذه التسمية ” الإنسان الصحراوي ” هي تسمية إيكولوجية بأمتياز ، حيث يظهر لنا جليا دلالة و علاقة الكائن بالمحيط الذي يسكنه ، فإن كان المحيط صحراوي فإن الإنسان الذي يعيش داخله صحراوي ، أي إن كان معنى الصحراء هي المنطقة القاحلة كثيرة الجفاف قليلة المطر المعادية للحياة النباتية والحيوانية ، فإن الإنسان الصحراوي وفي علاقته بهذا المحيط ، يتشارك في كثير من المعاني والتعاريف مع محيطه ، فهو أيضا إنسان خشن النظرة جاف الشعور ضعيف البنية قوي العزيمة ، هذا إن وصفناه على مستوى المظهر ، أما على مستوى عيشه وطريقة تعاطيه مع محيطه ، فهو إنسان متقشف في مأكله و مشربه وخدماته كلها ، هو إنسان إستطاع ان يواكب صعوبة العيش في محيطه من خلال عدة طرق ووسائل ” بيئة ، فلكية ، علمية … ” حتى يساير الحياة داخل هذا المحيط . هذا من جانب تناول العلاقة بين الإنسان الصحراوي ومحيطه قبل ظاهرة التمدن ، اما بعدها ، فالحديث هنا يتغير بتغير المحيط ايضا ، فبعد أن أصبحت لهاته الجهة حاضرة عصرية كبرى _ الداخلة _ تستجيب لكل أشكال الحياة المدنية الجديدة ” بنية تحتية ، خدمات ، تعليم ، صحة ، مياه … ” أصبح لزاما علينا ان نناقش علاقة الإنسان الصحراوي المدني بمحيطه .

هنا يمكننا الحديث عن ” الداخلة كمدينة إيكولوجية ” ، فمن خلال هاته العلاقة ” الإنسان ومحيطه ” نستطيع الجزم أن إيكولوجية مدينة الداخلة ليست رهينة ببناها التحتية ولا بمناطقها الطبيعية الخلابة ولا في كل خدماتها إجتماعية كانت أو إقتصادية أو سياحية … ، بل تكمن إيكولوجيتها في الإنسان ذاته القاطن بها ، فإن إستطعنا حقا تغيير فكرة ونظرة و سلوك الفرد داخل هاته المدينة إتجاه بيئته ، سنستطيع بكل تأكيد التغلب على الرهانات الأخرى وخلق إيكولوجية حقة .