بحر الصحراء:

 

فشل الثلاثيني المغربي عبد الواحد صراق في الوصول إلى ما يسميه بـ “العيش الكريم” الذي لم يجده في بلدته الهامشية في ضواحي تازة (وسط البلاد)، ولا في العاصمة الرباط التي أوى إليها بحثاً عن فرصة عمل لائقة، ما دفعه إلى أن يجرب الهجرة السرية عبر التخفي في شاحنات التصدير العابرة إلى الضفة الأخرى من المتوسط، وسط البضائع المرسلة من المغرب إلى ألمانيا مروراً بإسبانيا.

لكن صراق لم يفلح في أي من محاولاته الثلاث، بسبب الرقابة الأمنية المشددة في ميناء طنجة، إذ تعبر الشاحنة عبر جهاز “السكانير” الذي يلتقط صوراً عالية الدقة لدواخلها ويطلع عليها أمني وجمركي وتقني تمكنوا من اكتشافه في كل مرة، لم يكن أمام عبدالواحد من بد سوى محاولة الهجرة عبر الدراجة المائية “جيت سكي” الأسرع إذ تبعد سواحل المغرب عن إسبانيا مسافة 15 كيلومتراً، وفقا لما يؤكده عز الدين أزدي، صاحب دراجة جيت سكي في بحر تطوان شمال المملكة.

تواري طريقة الهجرة القديمة

تراجعت الطريقة التقليدية للهجرة السرية من المغرب إلى إسبانيا عبر “قوارب الموت المطاطية” المعروفة محليا بـ”الباطيراس” في تحريف لاسمها باللغة الإسبانية “Les pateras”، وهو ما تعزوه ابتسام العوفير، الباحثة في علم الاجتماع وسوسيولوجيا الهجرة، إلى ارتفاع التنسيق الأمني بين المغرب وإسبانيا لمحاربة الهجرة غير الشرعية، بالإضافة إلى سهولة الطرق الحديثة عبر الانزواء في الشاحنات أو بواسطة الدرجات المائية السريعة (جيت سكي).

“وكلما اشتدت المراقبة الأمنية لوضع حد للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، كلما ظهرت طرق ووسائل جديدة تتحدى تلك التدابير الأمنية” بحسب ما أضافته الباحثة العوفير، والتي أكملت موضحة أن “الهجرة عن طريق الشاحنات والدراجات المائية لن تبلغ كثافة الهجرة عبر القوارب كما كان الحال في سنوات الثمانينيات والتسعينيات خصوصاً”.

ومن أشهر حالات المهاجرين غير الشرعيين الذين توجهوا نحو أوروبا من المغرب عبر شاحنة بضائع، العداء إلياس فيفا الذي غادر بلاده قبل سبع سنوات بحثاً عن آفاق مستقبلية أفضل، وحصل على الجنسية الإسبانية، واستطاع أن يُتوج قبل أسابيع قليلة بطلاً لأوروبا لمسافة 5 آلاف متر.وتشرح المتحدثة ذاتها أن القارب كان يحمل في عميلة الهجرة الواحدة عشرة أشخاص، وقد يصل العدد إلى أربعين أو خمسين إذا كان القارب من الحجم المتوسط بطول 8 أمتار، بينما الشاحنة لن تحمل في أحسن الأحوال سوى شخصين أو أربعة، يختبئون وسط البضائع، أو ينحشرون في الهياكل الداخلية للشاحنة.

مغني الراب محمد أشغاف هو الآخر جرب الهجرة غير الشرعية في 2006 من ميناء الجزيرة الخضراء داخل هيكل شاحنة، ليصل إلى الضفة الإسبانية، باحثاً عن لقمة عيش يعيل بها أسرته الفقيرة، ليتحول إلى اسم معروف في موسيقى الراب في إسبانيا.

الاختباء في الشاحنات

انخفض عدد المهاجرين غير الشرعيين، الذين تمكنوا من الوصول إلى إسبانيا، سواء عبر البحر أو عبر سياج مدينة مليلية الحدودية، وفقا لإحصائيات حديثة صدرت بداية عام 2017 عن وزارة الداخلية الإسبانية، إذ بلغ عدد المهاجرين السريين إلى إسبانيا 9086 شخصا خلال الفترة بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 2016 ، مقابل 11 ألفا و500 خلال الفترة نفسها سنة 2015، أي بتراجع يمثل نسبة 21 في المائة.

بالمقابل ضبطت فرقة محاربة الهجرة السرية بطنجة، 68 محاولة تهريب مهاجر سري عبر الاختباء داخل الشاحنات خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من سنة 2016، وفقا لمصدر في الفرقة رفض ذكر اسمه لكونه غير مخول بالحديث للإعلام، موردا أنه بحسب معاينته فإن عدد المهاجرين بواسطة هذه الطريقة يتناقص تدريجيا، باعتبار أنه في نفس الفترة من سنة 2015 ناهز العدد أكثر من 102 حالة تم ضبطها” وفق تعبيره، إذ تتسم هذه الطريقة بصعوبتها، بدءا من زاد المهاجرين والذي لا يزيد عن الماء والحمص، طيلة الرحلة التي تمتد من المغرب إلى أوروبا، بالإضافة إلى صعوبة الاختباء في هيكل الشاحنة الداخلي، أو داخل حقيبة، أو في المقصورة، أو أسفل المركب قرب العجلات، وتابع المصدر “يبقى الواحد منهم معلقاً طيلة مسار الرحلة صوب أوروبا، التي تستغرق بين يومين إلى 3 أيام، رغم مخاطر هذا التصرف على حياته”.

“الجيت سكي”

يلجأ مهاجرون غير شرعيين إلى الدراجات المائية السريعة “جيت سكي”، التي تعد أقل ضبطاً من قبل الأمن المغربي أو الإسباني، مقارنة مع الهجرة عبر الشاحنات، إذ تكفي ربع ساعة لتصل الدراجة من مدينة القصر الصغير المغربية إلى المياه قليلة العمق المحاذية لمنتجع “طريفة” الساحلي الإسباني، وهناك يختلط المهاجرون بالسياح الموجودين فيه عقب وصولهم، ويلجأ المهربون إلى حمل مهاجر أو اثنين أحياناً والتحرك في مجموعات من ثلاث دراجات وأحياناً بصورة فردية، بحسب ما أكده عز الدين أزدي قائلا: “الهجرة عبر “جيت سكي” صارت مفضلة على الشاحنة لعدة اعتبارات، أولها السرعة، وثانيها قلة الخطورة على الحياة بخلاف الاختباء لساعات في هيكل سيارة أو قرب العجلات، وثالثها أنها أقل ضبطا ورصدا من الناحية الأمنية عكس الشاحنات التي تثير انتباه رجال الجمارك والأمن”.

وبالرغم من هذه المميزات التي ذكرها عز الدين بشأن دراجات جيت سكي، فإنها هي الأخرى صارت محط مراقبة السلطات الأمنية الإسبانية، ويؤكد محمد شرايبي، الباحث في شؤون الهجرة بجامعة فاس، القول السابق بالتأكيد على أن المراقبة الأمنية صارت أكثر حدة ضد الهجرة غير الشرعية بجميع أصنافها إلى أوروبا من البوابة الإسبانية، مشيرا إلى لعب المغرب دور دركي القارة العجوز، مقابل الوضع الاقتصادي المتميز مع أوروبا.

ثراء مافيات التهريب

اغتنت شبكات محكمة ومنظمة من عمليات تهريب البشر ونقلهم إلى الضفة الأخرى، عبر الهجرة السرية بالشاحنات والجيت سكي، وقبلهما عبر قوارب الموت، وفق إفادة الباحث شرايبي الذي درس العوائد المالية التي تجنيها هذه الشبكات ومافيات التهريب من المهاجرين الراغبين في أن تطأ أقدامهم الضفة الأوروبية.

وتناقصت أسعار تهريب المهاجر غير الشرعي بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الأخيرة، باعتبار الأزمة التي تعصف بعدد من اقتصاديات أوروبا منذ 2009، جعلت عدداً من المرشحين للهجرة يتراجعون عن هذه المغامرة، وأيضا بالنظر إلى التدابير الأمينة المتزايدة، بحسب ما أكده شرايبي موضحاً أن ثمن الهجرة بالشاحنة يتراوح في العادة بين 10 آلاف درهم (992 دولارا أميركيا) و20 ألف درهم (1984 دولارا) في أقصى الأحوال، معتبرا أن السعر يختلف بحسب قوة تفاوض الراغب في الهجرة، ومدى رغبته الأكيدة في الرحيل، وهو ما يؤكده عبد الله الدكالي المهاجر غير الشرعي العائد من إسبانيا، بسبب تداعيات الأزمة الاقتصادية التي شهدتها خلال الفترة من عام 2008 وحتى عام 2014.

بالمقابل فإن أسعار الجيت سكي، أكثر غلاء كما يقول عز الدين أزدي إذ يصل ثمن الرحلة الواحدة إلى 30 ألف درهم (2976 دولارا) أو 40 ألف درهم (3968 دولارا)، وهو مبلغ مرتفع، باعتبار أن وسيلة التهريب سريعة وناجعة أكثر من “الباطيراس”.

وتابع الخبير موضحا أن سائق الشاحنة في الغالب لا يأخذ من مبلغ المرشح للهجرة الذي يتراوح بين 10 آلاف و20 ألف درهم سوى 30 في المائة من المال، وفي حال ضبطه من قبل الأمن يتم توصيته من طرف أعضاء الشبكة إما بمحاولة رشوة رجل الأمن، أو إنكار أنه يعرف أن مهاجرا اختبأ في ناقلته.وبحسب الخبير الأمني عبد الصادق مجاهيد، فإن أسعار تهريب المهاجرين السريين تخضع للعرض والطلب، فعندما تشتد الحملة الأمنية ضد الهجرة غير الشرعية، تنخفض الأسعار، لكن سرعان ما ترتفع في الأوقات التي تخف فيها المراقبة الأمنية تدريجيا.

وأكمل المتحدث بأن شبكة الهجرة عبر الشاحنة غالباً ما تكون موزعة إلى أربع مجموعات أو محاور، الأولى سماسرة ينشطون داخل التراب المغربي ينقبون عن المهاجرين الذين يرغبون في بذل المال مقابل الرحيل إلى أوروبا، حيث يبحثون عنهم في المقاهي وفي مواقف الشغل.

والعنصر الثاني في شبكة بيزنس الهجرة السرية، وفق مجاهيد، يتمثل في السائق نفسه الذي غالبا ما يكون سائقا للعربة وليس مالكها، وهو ما يحيل إلى عنصر ثالث في الشبكة تتجلى في مالك الشاحنة الذي ينال حصته من المبلغ، ثم الرابع متمثلا في أشخاص يسهلون للمهاجر وصوله واختفاءه في إسبانيا إلى حين تدبر أوراقه الثبوتية.

وبين المتحدث بأنه في هذه السلسلة المشكلة من أربعة أطراف رئيسية في تهريب المهاجر السري، يأخذ السمسار 10 في المائة من المبلغ، ومالك الشاحنة 50 في المائة، والموجودون في الضفة الأوروبية زهاء 10 في المائة، مشيراً إلى أن هذه نسب لا يمكن تعميمها على جميع الحالات، لكنها تبقى المعدل الرائج في عمليات تهريب المهاجرين بالشاحنات.

وتدفع الرغبة في الوصول إلى الفردوس الأوروبي المهربين إلى رفع أسعار الهجرة عبر دراجات جيت سكي، وفق ما يوضح الخبير ذاته إذ إن الدراجة المائية توصل المهاجر بشكل أسرع وأكثر أمانا مقارنة مع التفتيش المتكرر للشاحنة في نقط المراقبة، ويكمل قائلا “شبكات التهريب تنوع وتطور وسائلها على حسب حاجة زبائنها الباحثين عن الانتقال إلى الضفة الأخرى بحثا عن أحلامهم الضائعة ولو بأي ثمن”.

المصدر : العربي الجديد